قلة النوم والتوتر المزمن لا يسببان التعب فقط، بل قد يُخلّان بالهرمونات المسؤولة عن انتظام الدورة والمزاج، لكن عادات بسيطة ومنتظمة يمكن أن تكسر هذه الحلقة.
يرتبط النوم والتوتر والهرمونات ببعضها بعضاً بشكل أوثق بكثير مما توحي به معظم الأحاديث عن اضطراب الدورة الشهرية أو تقلبات المزاج. من السهل أن تنظري إلى بضع ليالٍ متعبة أو فترة مليئة بالتوتر باعتبارها منفصلة عمّا يحدث لدورتك أو لحالتك المزاجية، لكن الجسد لا يتعامل معها بشكل منفصل على الإطلاق؛ فهي تتغذى على بعضها بطريقة فعلية وملموسة.
في قلب هذه العلاقة يقف الكورتيزول، وهو الهرمون الذي تفرزه الغدد الكظرية استجابة للتوتر. في نوباته القصيرة يكون الكورتيزول مفيداً بل وضرورياً؛ فهو يساعدك على مواجهة تحدٍّ حقيقي ثم يعود مستواه إلى طبيعته بعد أن يمر. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح التوتر مزمناً أو يصبح النوم سيئاً باستمرار، لأن كلاهما يبقي مستوى الكورتيزول مرتفعاً لفترة أطول بكثير مما صُمم الجسد لتحمّله، فيبدأ الجسد بالاستجابة وكأنه يواجه تهديداً مستمراً لا عابراً.
ولا يبقى ارتفاع الكورتيزول المستمر في نطاقه الخاص، بل يتداخل مع الهرمونات المسؤولة عن التبويض والدورة الشهرية، وقد يسهم في تأخر الدورة عن موعدها المعتاد، أو جعلها غير منتظمة، أو تفاقم أعراض ما قبل الدورة وتقلبات المزاج أكثر من المعتاد. ويضيف قلة النوم طبقة أخرى فوق ذلك، إذ يؤثر على طريقة تعامل الجسد مع سكر الدم وإشارات الشهية، مما قد يزيد من اضطراب التوازن الهرموني الذي تعتمد عليه الدورة. والجزء المحبط في الأمر هو مدى سهولة تحوّل هذا إلى حلقة مفرغة؛ فقلة النوم ترفع هرمونات التوتر، وارتفاع هرمونات التوتر يصعّب النوم أو الاستمرار فيه، ثم يضيف الإرهاق الناتج عن ذلك واضطراب الدورة مزيداً من التوتر، فتبدأ الحلقة من جديد.
كسر هذه الحلقة نادراً ما يتطلب تغييراً جذرياً، بل يستجيب جيداً لعادات صغيرة وواقعية ومنتظمة. فالنوم والاستيقاظ في وقت متقارب كل يوم، حتى في عطلة نهاية الأسبوع، يساعد الساعة البيولوجية الداخلية للجسد على الثبات، وهو ما يدعم بدوره انتظام إفراز الهرمونات. كما أن روتيناً قصيراً للاسترخاء قبل النوم، حتى لو كان عشر أو خمس عشرة دقيقة فقط من الإضاءة الخافتة وإبعاد الأجهزة الإلكترونية وممارسة نشاط هادئ كالقراءة أو التمدد الخفيف، يرسل للجسد إشارة بأن الأمان متوفر ويمكنه أن يهدأ. وتستحق الشاشات إشارة خاصة هنا، فالضوء الذي تصدره قبل النوم مباشرة يثبّط الهرمون الذي يساعدك على النوم أصلاً، لذا فإن إبعاد الهاتف في وقت أبكر قليلاً من المعتاد قد يُحدث فرقاً حقيقياً. وقد يفيد أيضاً تجنّب الكافيين والوجبات الثقيلة قبل النوم مباشرة، فكلاهما يمكن أن يزيد من صعوبة الاسترخاء.
كما تساعد الحركة خلال النهار، حتى ولو كانت مجرد مشي قصير أو بعض تمارين التمدد، على ضبط إيقاع الكورتيزول الطبيعي في الجسد، وتميل إلى تحسين جودة النوم في تلك الليلة، من غير حاجة إلى أن تكون شاقة أو طويلة لتكون فعّالة. وإلى جانب عادات النوم، تُحدث ممارسات صغيرة لإدارة التوتر خلال اليوم فرقاً أيضاً؛ مثل تدوين ما يشغل بالك، أو التحدث مع شخص تثقين به، أو أخذ لحظات قصيرة للتنفس بين المهام، أو رفض ما يمكن تأجيله منطقياً؛ كل هذه الأمور تتراكم أثرها، وإن بدا كل واحد منها بسيطاً على حدة.
لكن أحياناً لا تكفي هذه العادات وحدها، ومن المهم الاعتراف بذلك بدلاً من المضي قدماً في صمت. فإذا استمر الأرق ليلة بعد ليلة رغم اتباع عادات جيدة، أو ظلت الدورة غير منتظمة لأشهر من غير تحسّن، أو ظل التوتر والمزاج يعيقان الحياة اليومية باستمرار، فمن المعقول تماماً، بل من الجيد فعلاً، أن تتحدثي مع طبيب. يمكنه فحص عوامل أخرى قد تسهم في الأمر وتقديم دعم أكثر تنظيماً، سواء عبر مزيد من التقييم أو التحويل إلى معالج نفسي. فالحاجة إلى مساعدة أكبر مما يقدّمه روتين النوم ليست فشلاً في الانضباط، بل هي فقط إشارة إلى أن الأمر يستحق نظرة أقرب.




النقاش
0